اسماعيل بن محمد القونوي

79

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ترجعون فيثيبكم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) فالإنكار الذي يستفاد من الاستخبار إنكار إبطالي وإنكار للوقوع بمعنى أنه لا يكون وبالغ وعبر عنه بعدم إمكان الكفر ووقوعه منهم أي لا يتصور منكم ولا يمكن الكفر لأنكم كنتم أعلم بمحاسن الإيمان وقبائح الكفر والطغيان وحبب في قلوبكم الإذعان وكره إليكم الفسق والعدوان مع التوفيق من الملك الرحيم المنان ومن كان وصفه ذلك فلا يتصور منه الكفر والعصيان وهذه نعمة جسيمة ومنحة عظيمة يجب عليها الشكر في مدة مديدة أي جهالا حيث أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] فاستعارة الموت للجهل والحياة للعلم شائع وحملهما على ذلك لأن ظاهر معناهما لا يناسب الامتنان للمؤمنين لاشتراكه بين الفريقين ثم يميتكم الموت المعروف للتوصل إلى الحياة الأبدية ثم يحييكم بالحياة المعروفة الحقيقية للجزاء الأوفى بمقابلة العمل الأسنى فيثيبكم بما لا عين رأت فيه اقتباس لطيف لأنه ورد في الخبر المنيف فحينئذ يكون الخطاب للمؤمنين الذين ثبتوا على الإيمان حتى يتقضى آجالهم وفي التيسير ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين والمعنى كيف تكفرون نعم اللّه عليكم وقد كنتم أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] بالكفر أو الجهل فأحياكم بالإيمان والعلم والمص لم يرض جمعهما في أمواتا بل حملها على الجهال فقط أما أولا فلأن بعض المؤمنين لم يتدنس بوسخ الكفر أصلا وأما ثانيا فلأن الجمع بين المعنيين خلاف الظاهر لا يصار إليه بلا داع وظاهر ما في التيسير أن الكفر كفران النعمة وهو يتعدى بنفسه لا بالباء وأجيب عنه بالمنع فإنه يتعدى بالباء كما يتعدى الكفر نقيض الإيمان بها قال تعالى : وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [ النحل : 72 ] كذا قيل وبه يندفع البحث الذي أورده البعض على المص لو فرض أنه جوز كفران النعمة . قوله : ( والحياة حقيقة في القوة الحساسة أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيوانا ) عند بعض أو ما يقتضيها عند آخر وفي المواقف الحياة قوة تتبع تلك القوة اعتدال المزاج « 1 » ويفيض منها أي من تلك القوة سائر القوى الحيوانية « 2 » والظاهر أن تلك القوة غير القوة الحسية ولهذا قال قدس سره في شرح المواقف وقد يتوهم أن الحياة هي قوة الحس والحركة الإرادية انتهى وفي بعض النسخ وما يقتضيها بالواو ولكن الصحيح أو قوله : أو ما يقتضيها يعني الحياة إما نفس القوة الحساسة أو معنى مبدأ هذه القوة .

--> ( 1 ) معنى ذلك أن كل نوع من أنواع المركبات العنصرية له مزاج مخصوص يناسب الآثار والخواص المطلوبة منه حتى إذا خرج عن ذلك المزاج لم يبق ذلك النوع فالحياة في كل نوع من أنواع الحيوانات نابعة لذلك المزاج المسمى بالاعتدال النوع كذا في شرح المواقف . ( 2 ) وتلخيصه أنه إذا حصل في مركب عنصري اعتدال نوعي يليق بنوع حيواني فاض عليه من المبدأ قوة الحياة ثم انبعث منها قوى أخرى أعني الحواس الباطنة والظاهرة والقوى المحركة إلى جلب المنافع ودفع المضار كل ذلك بتقدير العزيز العليم فالحياة تابعة للاعتدال المذكور ومتبوعة لما عداها من القوى الموجودة في الحيوان كذا في شرح المواقف .